منظر بانورامي تعبيري لمدينة الموصل القديمة عند الغروب، تظهر فيه المباني الحجرية الممتدة على ضفاف نهر دجلة، مع مسجد ذي قبة ومآذن بارزة وسط أجواء تاريخية هادئة.

مفتاحُ الموصل

في أحد أزقة الموصل القديمة، كان الجدّ محمود يمتلك دكانًا صغيرًا لإصلاح الساعات. وعلى جدار الدكان علّق مفتاحًا نحاسيًا قديمًا، لا يفتح أي بابٍ معروف.

كان حفيده يونس يسأله دائمًا:

— جدي، لأي بابٍ هذا المفتاح؟

فيبتسم الجد ويقول:

— سيأتي يومٌ وتعرف.

مرّت السنوات، وتغيّرت المدينة كثيرًا. تهدّمت بيوت، وأُغلقت أسواق، وغادر بعض الناس أحياءهم، لكن دكان الجد بقي واقفًا، وكأن عقارب الساعات فيه ترفض التوقف.

وفي صباح شتوي، وجد يونس رسالةً تركها جده قبل وفاته، كتب فيها:

«خذ المفتاح إلى البيت القديم قرب دجلة، وابحث عن الباب الأزرق.»

ذهب يونس بين الأزقة حتى وصل إلى بيت مهجور، له باب أزرق غطّاه الغبار. أدخل المفتاح في القفل، فانفتح الباب بصعوبة.

في الداخل لم يجد ذهبًا ولا كنزًا، بل وجد صندوقًا مليئًا بصور قديمة ورسائل ودفاتر تحمل أسماء عائلات من الموصل؛ مسلمون ومسيحيون، عرب وكرد وتركمان، كانوا جيرانًا يتبادلون الخبز والفرح والأحزان.

وفي آخر دفتر وجد عبارة بخط جده:

«كنز الموصل ليس في حجارتها، بل في أهلها. إذا حفظتم حكاياتكم، فلن تضيع المدينة.»

أعاد يونس ترميم البيت، وحوّله إلى مكان يجتمع فيه الأطفال لسماع قصص الموصل القديمة. ووضع المفتاح النحاسي فوق الباب، وكتب تحته:

هذا المفتاح لا يفتح بيتًا… بل يفتح ذاكرة مدينة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *