في خريف عام 1743م، ظهرت في الأفق جيوش نادر شاه الفارسي، تحيط بمدينة الموصل من جهاتٍ عدة. امتلأت السهول بالخيام والجنود والمدافع، وأدرك أهل المدينة أن حصارًا شديدًا قد بدأ.
كان والي الموصل حسين باشا الجليلي يتفقد الأسوار والبوابات، ويحث السكان على الثبات. لم يكن المدافعون جنودًا فقط؛ فقد شارك أهل الموصل في نقل الماء والطعام، وإصلاح أجزاء الأسوار، ورعاية الجرحى.

وقف فتى يُدعى أحمد إلى جانب والده فوق السور، وسأله بصوت خائف:
— هل يستطيعون دخول المدينة؟
أجابه والده وهو ينظر إلى البيوت والمآذن:
— يستطيع العدو أن يهدم حجرًا، لكنه لا يستطيع هزيمة مدينة يدافع أهلها عنها بقلبٍ واحد.
بدأ القصف، واهتزت الأبواب تحت ضربات المدافع. وفي كل مرة كان جزء من السور يتضرر، يسارع الأهالي إلى إصلاحه ليلًا، قبل أن تبدأ هجمات اليوم التالي.
استمر الحصار أسابيع طويلة. قاوم المدافعون الهجمات المتكررة، وتحملت المدينة نقص الطعام والخوف والتعب. وعندما عجز جيش نادر شاه عن اقتحام الموصل، اضطر في النهاية إلى رفع الحصار والانسحاب.
في صباح رحيل الجيش، صعد أحمد إلى السور. رأى الشمس تشرق فوق دجلة، وسمع أجراس الكنائس وأصوات المآذن تمتزج بأصوات الناس المحتفلين.

قال له والده:
— تذكّر هذا اليوم؛ لم تنجُ الموصل لأن أسوارها قوية فقط، بل لأن أهلها وقفوا معًا.
ومنذ ذلك الحين، بقي حصار سنة 1743م واحدًا من أبرز رموز صمود الموصل ووحدة أهلها.
رسالة القصة:
قد تحمي الأسوار المدينة فترةً من الزمن، لكن الذي يحفظها حقًا هو تعاون أهلها وشجاعتهم.


