كنائس بغديدا في قضاء الحمدانية بمحافظة نينوى

بغديدا في نينوى.. تاريخ مدينة السريان وذاكرة آشورية تمتد لقرون

تقع بغديدا في محافظة نينوى شمال العراق، على مسافة تقارب 32 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة الموصل، وتُعد مركز قضاء الحمدانية، أحد الأقضية المهمة في المحافظة.

وتتميز المدينة بموقعها ضمن منطقة سهل نينوى، بالقرب من عدد من المواقع الأثرية والتاريخية التي تعكس عمق الحضارات التي تعاقبت على المنطقة، الأمر الذي جعلها واحدة من أبرز المدن ذات الحضور التاريخي والثقافي في شمال العراق.

وتُعرف بغديدا بعدة أسماء، من بينها بخديدا وقره قوش والحمدانية، فيما يستخدم سكانها السريان اسم بغديدا في لغتهم المحلية، المعروفة بالسورث.

وتكتسب المدينة أهمية خاصة لكونها من أكبر التجمعات المسيحية في العراق، فضلاً عن ارتباطها التاريخي بالمجتمع السرياني وتراثه الديني والأدبي واللغوي.

لماذا سميت بغديدا؟

ارتبط اسم بغديدا بعدد من الروايات والتفسيرات اللغوية والتاريخية، ولم يحسم الباحثون تفسيراً واحداً للاسم بشكل نهائي.

ومن أبرز التفسيرات المتداولة ارتباط الاسم بتعبيرات آرامية وسريانية قديمة، فيما تشير روايات أخرى إلى صلات بين الاسم ومفاهيم مثل بيت الآلهة أو بيت الشباب، إضافة إلى تفسير يرتبط بصناعة النسيج والخيوط التي عُرفت بها المنطقة في فترات تاريخية مختلفة.

أما اسم قره قوش، فهو اسم تركي يُترجم عادة إلى «الطائر الأسود»، وقد شاع استخدامه خلال فترات الحكم العثماني.

وفي القرن العشرين ارتبط اسم المنطقة إدارياً بـالحمدانية، وهو الاسم الذي أصبح يُستخدم للقضاء الذي تتبع له بغديدا.

بغديدا قبل المسيحية

لا تقتصر أهمية بغديدا على تاريخها المسيحي، إذ تقع المدينة ضمن منطقة غنية بالمواقع الأثرية التي تعود إلى عصور أقدم بكثير.

ويربط بعض الباحثين المنطقة بمواقع وردت في المصادر الآشورية القديمة، فيما عُثر في محيطها على قطع أثرية ونقوش وأختام تعكس حضور الحضارة الآشورية في سهل نينوى.

كما تقع بالقرب منها منطقة بلاوات، التي ارتبطت بالمملكة الآشورية وشهدت أعمال تنقيب أثرية كشفت عن قصور ومقتنيات وقطع فنية مهمة، انتقلت أجزاء منها لاحقاً إلى متاحف خارج العراق.

وتشير هذه المعطيات إلى أن محيط بغديدا كان جزءاً من منطقة نشطة حضارياً منذ العصور القديمة، قبل أن تصبح المدينة لاحقاً مركزاً بارزاً للمجتمع المسيحي السرياني.

دخول المسيحية إلى بغديدا

دخلت المسيحية إلى المنطقة خلال القرون الأولى للميلاد، إلا أن تحديد تاريخ دقيق لاعتناق سكان بغديدا للمسيحية ما يزال موضع نقاش بين المصادر التاريخية.

وشهدت المدينة خلال تاريخها تحولات مذهبية وكنسية متعددة، قبل أن يترسخ فيها الوجود السرياني بمؤسساته الدينية والثقافية.

ويرتبط اسم مار يوحنا الديلمي بتاريخ المسيحية في المنطقة، إذ تنسب إليه روايات محلية دوراً في تعزيز المسيحية في بغديدا والمناطق المحيطة بها، كما يرتبط اسمه بأحد المواقع القريبة من المدينة.

بغديدا في العصور الوسطى

شهدت بغديدا نمواً سكانياً وعمرانياً خلال القرنين العاشر والحادي عشر، مع وصول جماعات سريانية إلى المنطقة، ما عزز مكانتها الدينية والثقافية.

وأصبحت المدينة ومحيطها مركزاً مهماً للكنائس والأديرة والمؤسسات الدينية، كما ارتبط تاريخها في مراحل مختلفة بالبطريركية السريانية.

لكن موقعها ضمن منطقة سهل نينوى جعلها عرضة أيضاً للاضطرابات والصراعات التي شهدها شمال العراق خلال العصور الوسطى، وتعرضت المدينة ومؤسساتها الدينية لهجمات وأعمال تدمير في فترات متفرقة.

وشملت تلك الأحداث عدداً من الأديرة والكنائس في المنطقة، الأمر الذي ترك آثاراً واضحة في الذاكرة التاريخية لسكان بغديدا.

السورث.. لغة وهوية بغديدا

تُعد اللغة من أبرز عناصر الهوية الثقافية في بغديدا، إذ يتحدث سكانها السريان بلهجة آرامية حديثة تُعرف محلياً بـالسورث.

وتحمل هذه اللهجة ملامح لغوية قديمة، إلى جانب مفردات وتراكيب تأثرت باللغات التي تعاقبت على المنطقة عبر التاريخ.

ولا تقتصر أهمية السريانية في بغديدا على الاستخدام اليومي، بل تمتد إلى المجالات الدينية والأدبية والتعليمية، حيث ما تزال حاضرة في بعض المؤسسات والأنشطة الثقافية.

ويمثل الحفاظ على اللغة السريانية جزءاً أساسياً من جهود أبناء المدينة للحفاظ على هويتهم وتراثهم الثقافي.

الثقافة والأدب في بغديدا

برزت بغديدا خلال العقود الماضية بوصفها مركزاً ثقافياً وأدبياً مهماً في سهل نينوى.

وتشهد المدينة أنشطة ومهرجانات تهتم بالأدب والشعر والفنون والتراث السرياني، كما تقام فعاليات تجمع بين اللغة العربية والسريانية وتسلط الضوء على التنوع الثقافي في المنطقة.

كما شهدت بغديدا ظهور مطبوعات ومجلات محلية تهتم بالشأن الثقافي والاجتماعي، وأسهمت هذه النشاطات في الحفاظ على الذاكرة المحلية ونقلها إلى الأجيال الجديدة.

اقتصاد بغديدا.. من الزراعة إلى التجارة

اعتمد سكان بغديدا تاريخياً على الزراعة باعتبارها أحد أهم مصادر الدخل، مستفيدين من الأراضي الزراعية الخصبة في منطقة سهل نينوى.

كما عُرفت المدينة ببعض الحرف التقليدية، ومنها صناعة النسيج والأعمال اليدوية والمنتجات الجلدية.

ومع تطور المدينة واتساعها العمراني، توسع النشاط التجاري بصورة ملحوظة، وأصبحت بغديدا تضم العديد من الأسواق والمحال والمشروعات التجارية، إلى جانب الوظائف الحكومية والمهن المختلفة.

ورغم هذا التحول الاقتصادي، بقي النشاط الزراعي حاضراً في الحياة الاقتصادية والاجتماعية لسكان المنطقة.

كنائس بغديدا.. معالم دينية وتاريخية

تشتهر بغديدا بكثرة كنائسها وأبنيتها الدينية، التي تمثل جزءاً مهماً من هويتها العمرانية والتاريخية.

ومن أبرز الكنائس والمعالم الدينية المرتبطة بالمدينة:

  • كنيسة الطاهرة الكبرى.
  • كنيسة مار يوحنا.
  • كنيسة مار يعقوب.
  • كنيسة مار بهنام وسارة.
  • كنيسة مار كوركيس.
  • كنيسة مار يوسف.
  • كنيسة مارزينا.
  • كنيسة سركيس وباكوس.
  • كنيسة الرجاء.
  • كنيسة التجلي.
  • كنيسة القيامة.

وتتميز بعض هذه الكنائس بطابع معماري وتراثي يعكس تطور العمارة الدينية السريانية في المنطقة.

أديرة ومواقع دينية في بغديدا

إلى جانب الكنائس، تنتشر في محيط بغديدا مجموعة من الأديرة والمواقع الدينية التي ارتبطت بتاريخ المسيحية في سهل نينوى.

ومن الأسماء المتداولة في تاريخ المنطقة:

دير ناقوريتا، دير مار قرياقوس، ودير مارت شموني، وهي مواقع ارتبطت بالرهبنة والحياة الدينية خلال مراحل مختلفة من تاريخ المنطقة.

وتشكل هذه المواقع اليوم جزءاً من الذاكرة الدينية والتراثية لبغديدا، إلى جانب كونها عناصر مهمة في دراسة تاريخ المسيحية في سهل نينوى.

بغديدا والهوية المسيحية في نينوى

تحتل بغديدا مكانة بارزة في الخريطة المسيحية العراقية، ليس فقط بسبب عدد سكانها وتراثها الديني، وإنما أيضاً نتيجة دورها في الحفاظ على اللغة السريانية والعادات والتقاليد والموروث الشعبي.

وقد جعلها هذا الإرث واحدة من أهم المدن التي يقصدها المهتمون بتاريخ مسيحيي العراق وسهل نينوى، خصوصاً الباحثين في التراث السرياني والآرامي.

بغديدا بعد أحداث 2014

مرت بغديدا بمرحلة صعبة خلال أحداث عام 2014، عندما سيطر تنظيم داعش على أجزاء واسعة من محافظة نينوى، ما أدى إلى نزوح أعداد كبيرة من سكان المدينة والمناطق المسيحية المحيطة بها.

وأصبحت بغديدا خلال تلك الفترة واحدة من أبرز المدن التي ارتبط اسمها بملف نزوح مسيحيي سهل نينوى.

وبعد تحرير المنطقة، بدأت مراحل العودة وإعادة تأهيل المنازل والكنائس والبنية التحتية، فيما استمرت الجهود المحلية للحفاظ على هوية المدينة وإعادة الحياة إلى شوارعها ومؤسساتها.

بغديدا اليوم

اليوم، تقف بغديدا كمدينة تجمع بين التاريخ والدين واللغة والثقافة، وتحافظ على حضورها كواحدة من أهم مدن سهل نينوى.

فبين كنائسها القديمة، وأديرتها، ومواقعها الأثرية، ولغتها السريانية، وعادات سكانها، تختزن المدينة صفحات متعددة من تاريخ شمال العراق.

ولهذا فإن زيارة بغديدا لا تعني التعرف على مدينة في محافظة نينوى فحسب، بل تتيح اكتشاف جانب مهم من تاريخ سهل نينوى وتنوعه الحضاري والديني والثقافي.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *