تترقب الدوائر السياسية والأمنية في واشنطن نتائج حملة الاعتقالات الواسعة التي تشهدها العاصمة العراقية بغداد ضد شبكات الفساد، وسط مؤشرات على رغبة أميركية في استثمار هذه الخطوة لتفكيك النفوذ الإيراني وإقصاء الشخصيات المرتبطة بطهران من المشهدين السياسي والأمني.
رؤية واشنطن: الفساد كأداة لتقويض السيادة
أكد ديفيد ديس روش (الأستاذ المشارك في مركز الشرق الأدنى وجنوب آسيا للدراسات الأمنية والمسؤول السابق في البنتاغون) أن الولايات المتحدة ترى في استشراء الفساد ــ وتحديداً المدعوم إيرانياً ــ العائق الأساسي أمام بناء علاقة وثيقة ومستقرة مع العراق.
“تنظر واشنطن إلى العراق كدولة منقوصة السيادة جزئياً، بسبب وجود فصائل مسلحة ممولة رسمياً وتتحدى إرادة الدولة لصالح طهران. لذلك، فإن أي تحرك جاد لاجتثاث العنف والفساد يحظى بترحيب أميركي كبير”. — ديفيد ديس روش
“قائمة سوداء” وشروط أميركية غير معلنة
وفقاً للمسؤول الأميركي السابق، فإن إدارة ترمب تتطلع بجدية إلى تصفية “الأنشطة الخبيثة” للجهات الفاعلة المرتبطة بإيران، خاصة بعد التراجع التدريجي لنفوذ حزب الله اللبناني، مما جعل الفصائل العراقية الجزء الأقوى في المنظومة الإيرانية حالياً.
ولإثبات جدية هذه الحملة، أشار ديس روش إلى ملامح الضغوط الأميركية:
- إقصاء وبتر: توقعات أميركية بوجود “قائمة أسماء” لسياسيين وقادة أمنيين يخدمون مصالح طهران، تشترط واشنطن إبعادهم عن السلطة أو تقديمهم للقضاء.
- تقليص نفوذ الوكلاء: رغبة أميركية واضحة في تقليص نفوذ الفصائل المنضوية تحت مظلة الحشد الشعبي وتفكيك بناها التحتية.
- الملف القضائي الدولي: استشهاد واشنطن بقضايا ملاحقة مثل محاكمة “محمد باقر السعدي” في نيويورك، كدليل على حجم القلق الأميركي من هذه الشخصيات.
تحذيرات من الفوضى المضادة
ولم يستبعد ديس روش لجوء الأطراف المتضررة من الحملة إلى استراتيجية “زعزعة الاستقرار” الداخلي، محاكاةً لأسلوب الحرس الثوري الإيراني في لبنان عبر التهديد بالفوضى عند مساس مصالحه. ورغم هذه المخاطر، ترى واشنطن أن هذه المواجهة “أمر لا بد من إنجازه وإن كان مؤلماً”.
بغداد: “صولة الفجر” مستمرة في مرحلتها الأولى
ميدانياً، جاءت هذه التحليلات على خلفية أوسع حملة لمكافحة الفساد وهدر المال العام وتهريب العملة شهدها العراق منذ سنوات، حيث أسفرت العملية التي أُطلق عليها اسم “صولة الفجر” عن:
- اعتقالات واسعة: طالت حتى الآن 21 مسؤولاً سياسياً، ونواباً، ورجال أعمال، مع مؤشرات بتمدد التحقيقات نحو مستويات عليا في الدولة.
- تعهد حكومي: أكد رئيس الوزراء العراقي، علي فالح الزيدي، أن هذه الاعتقالات تمثل “مرحلة أولى” فقط، متعهداً بمواصلة الإجراءات لاسترداد الأموال المهربة، ويوجه الأجهزة الرقابية باستقبال كافة البلاغات ضد الأداء الحكومي والوزاري.
- حماية المال العام: شدد المتحدث باسم الحكومة، حيدر العبودي، على أن الدولة ماضية في إجراءاتها القانونية لحماية مقدرات البلاد دون تراجع.


