العاصمة الآشورية “نمرود”.. إرث عريق صمد بوجه الإرهاب ويترقب الاكتمال

بخطوات متهيبة تمتزج بالرهبة، يقف زائر مدينة “نمرود” الأثرية في محافظة نينوى أمام آلاف السنين من التاريخ والتفوق الإنساني. هناك، يتراءى للمرء المجد الآشوري القديم متمثلاً في بقايا الثور المجنح الذي لا يزال يتحدى الزمن، وقاعة الملك “آشور ناصر بال الثاني” التي كانت يوماً تزدان بالنقوف الحجرية التي تروي ملاحم النصر والنهضة العمرانية واستقبال الوفود الدولية.

وعلى الرغم من المأساة التي حلت بالمدينة التاريخية جراء تفجيرها وتخريبها على يد تنظيم “داعش”، إلا أن شواهدها المتناثرة بين الركام لا تزال تنبض بالحياة، لتروي قصة شعب استبسل في الحفاظ على هويته الثقافية عبر العصور.

مركز الإمبراطورية وثقلها العالمي

يوضح مدير آثار وتراث نينوى، رويد موفق، أن مدينة نمرود (المعروفة تاريخياً باسم كالخ) تقع على الضفة الشرقية لنهر دجلة، وتبعد نحو 35 كيلومتراً جنوب الموصل. وتعد المدينة واحدة من أهم عواصم العالم القديم، حيث اتخذها الملك آشور ناصر بال الثاني عاصمة ثانية للإمبراطورية الآشورية خلال القرن التاسع قبل الميلاد، لتتحول إلى قطب سياسي وعسكري واقتصادي بارز.

ويشير موفق إلى أن المكتشفات الأثرية لنمرود تكتسب شهرة عالمية استثنائية، إذ تتوزع محتوياتها وكنوزها على 76 متحفاً حول العالم، وتمثل منحوتاتها قمة الفن والنحت الآشوري الذي يعكس دقة وإبداع تلك الحضارة.

ندوب الحرب وجهود الترميم

تعرض الموقع لدمار هائل بين عامي 2014 و2016 إبان سيطرة تنظيم “داعش”، حيث استخدم المتفجرات والجرافات والمناشير الكهربائية لتدمير القصور والمنحوتات والثيران المجنحة في القصر الشمالي الغربي، مما شكل خسارة فادحة للتراث الإنساني.

وشهد الموقع خلال الأعوام الماضية حملات إعادة تأهيل واسعة بدعم من منظمات دولية أسهمت في تدريب الكوادر العراقية وتزويدها بالتقنيات اللازمة للصيانة والتوثيق. ورغم هذه الجهود، لا يزال الموقع بحاجة إلى استكمال مشاريع البنى التحتية والتأهيل النهائي ليكون مستعداً لاستقبال الزوار والسياح بشكل كامل.

وتحتضن نمرود إرثاً غنياً يضم قصوراً لملوك بارزين مثل شلمنصر الثالث، وأدد نيراري، وتجلات بلاسر الثالث، وسرجون، وأسرحدون، إلى جانب الزقورة الشهيرة وحصن شلمنصر ومعابد الآلهة القديمة كنابو ونينورتا وعشتار.

ذاكرة جريحة وأمل بالنهوض

يستذكر الباحث الآثاري قيس رشيد اللحظات القاسية التي عاشها العراقيون وهم يشاهدون تدمير آثار الموصل ونمرود عبر الشاشات، واصفاً مواجهته المباشرة للموقع بعد التحرير بأنها كانت صدمة حقيقية. ويقول رشيد: “السير بين الأنقاض كان ثقيلاً، وجمع البقايا المتناثرة كمن يحاول إعادة الهيبة لتاريخ تعرض للسرقة والتشويه على يد فكر متطرف لا يفقه قيمة الإرث الإنساني”.

ويضيف رشيد أن التنظيم عمد إلى تقطيع الألواح الحجرية لتهريبها، وفجّر ما عجز عن نقله، متبعاً النهج التدميري نفسه الذي مارسه في مدينة تدمر السورية ومواقع أخرى في نينوى وصلاح الدين والأنبار مثل تل النبي يونس ومئذنة الحدباء. كما كشفت التحقيقات لاحقاً عن شبكات أنفاق سرية استخدمت للتنقيب غير المشروع والاتجار بالآثار، والتي شكلت المورد المالي الثاني للتنظيم بعد النفط.

وفي نهاية المطاف، تبقى عاصمة الآشوريين القديمة “نمرود” رمزاً حياً لعناد الحضارة العراقية وقدرتها على البقاء، وشاهداً على ضرورة صون الهوية الثقافية وحمايتها للأجيال القادمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *