في قلب المدينة القديمة للموصل، حيث تتعانق الأزقة الضيقة مع رائحة التاريخ، يقف سوق الصفارين شاهدًا على حرفة عراقية أصيلة توارثتها الأجيال. هناك، بين أصوات الطرق على النحاس ولمعان الأواني المزخرفة، يروي السوق قصة مدينة عرفت الصناعة اليدوية وجعلت من الحرفة جزءًا من هويتها الثقافية.
يُعد سوق الصفارين، أو سوق الصفّافير، من أقدم الأسواق التراثية في الموصل، واشتهر بصناعة الأدوات النحاسية التي كان يعتمد عليها أهل المدينة في حياتهم اليومية، مثل الأواني المنزلية والصواني والدلال وأباريق الماء والمباخر، إضافة إلى القطع الفنية التي تحمل نقوشًا وزخارف دقيقة صنعتها أيدي الحرفيين.
حرفة توارثها أبناء الموصل
تقوم صناعة النحاسيات على مهارة عالية تبدأ بتشكيل صفائح النحاس وطرقها يدويًا باستخدام أدوات تقليدية، ثم تأتي مرحلة النقش والزخرفة التي تمنح القطعة طابعها الفريد. وكان الصفّارون يعتمدون على خبرة طويلة انتقلت من الآباء إلى الأبناء، حتى أصبح اسم السوق مرتبطًا بهذه المهنة التي شكلت جزءًا من الحياة الاقتصادية والاجتماعية في المدينة.
ولم يكن السوق مجرد مكان للبيع والشراء، بل كان مساحة تجمع بين الحرفيين وأهل المدينة، حيث تتبادل فيه الخبرات وتُحفظ أسرار المهنة وأساليبها القديمة.

صوت المطرقة وذاكرة المكان
كان صوت المطارق وهي تضرب النحاس من أبرز الأصوات التي تميز أزقة السوق، حتى أصبح هذا الإيقاع جزءًا من ذاكرة الموصل. فكل قطعة نحاسية كانت تحمل أثر صانعها، من تفاصيل النقش إلى طريقة التشكيل، لتصبح أكثر من مجرد أداة منزلية؛ بل قطعة من فن وتراث المدينة.

السوق بين الماضي والحاضر
رغم التغيرات التي شهدتها الموصل وتراجع العديد من الحرف التقليدية أمام المنتجات الحديثة، بقي سوق الصفارين رمزًا للصمود والحفاظ على الهوية التراثية. ويسعى المهتمون بالتراث إلى دعم هذه الحرفة وإعادة إحياء الأسواق القديمة باعتبارها جزءًا من ذاكرة المدينة وشخصيتها الثقافية.
إن زيارة سوق الصفارين ليست مجرد جولة في مكان قديم، بل رحلة إلى زمن كانت فيه الصناعة اليدوية عنوانًا للجمال والإتقان، حيث يحول الحرفي قطعة من النحاس إلى عمل فني يحمل روح الموصل وتاريخها العريق.



